نشرة الذكاء الاصطناعي الأسبوعية – تقرير AI
الإصدار 58
زمنٌ مربك تعيشه البشرية مع الذكاء الاصطناعي
في الفترة الأخيرة خصّصنا وقتاً للاستماع إلى أحدث البودكاستات والنقاشات التي جمعت أبرز المفكرين في عالم الذكاء الاصطناعي، ووصلنا إلى فهم معقّد نرغب في مشاركته معكم.
الفكرة الأولى أن الذكاء الاصطناعي يحمل حقيقتين متناقضتين في الوقت نفسه تخلقان حالة من الارتباك الذهني. فمن جهة، يعد الذكاء الاصطناعي بتقدّم هائل ستتفيد منه الإنسانية في الطب والعلوم وغيرها. ومن جهة أخرى، قد يسبب أضراراً كارثية قد يصعب إصلاحها.
دعونا نفكّك هاتين الحقيقتين لنفهم كيف يمكن لهما أن تكونا صحيحتين معاً.
الفوائد أصبحت واضحة بالفعل؛ فالكثير من الوظائف المرهِقة؛ مثل العمل في مكاتب المحاماة والاستشارات، بدأت تعتمد في كثيرٍ من أعمالها على الذكاء الاصطناعي. أما المجال الطبي، فبدأ يكتشف إمكانات مذهلة لقدرة الذكاء الاصطناعي على تحليل كمٍ هائلٍ من المعلومات في وقتٍ وجيزٍ. هذه مجرد البداية، والقادم أعظم. لكن حتى لو كانت هناك فرصة بنسبة ٨٠٪ بأن يخلق الذكاء الاصطناعي تغييراً إيجابياً لدى البشرية، فإن الـ ٢٠٪ المتبقية من المخاطر قد تطغى على كل ذلك.
من الصعب استيعاب فكرة أن الوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام AGI قد يكون إنجازاً عظيماً… ومدمّراً في الوقت نفسه. لفهم تلك الـ ٢٠٪ من الخطر، يجب أولاً أن نعرف ما هو الذكاء الاصطناعي العام: هو السعي لبناء آلة قادرة على التفكير والتحليل في أي مجال، مثل الإنسان تماماً. لا نعلم متى سنصل إليه، لكن الطريق نحوه مليءٍ بالأمل… والظلام أيضاً.
الخسائر المباشرة قد تظهر في شكل فقدان وظائف، وقد يصل الرقم إلى مليار وظيفة خلال السنوات المقبلة. وهذا قد يتسارع مع ظهور الروبوتات الإنسانية؛ مثل: مشروع إيلون ماسك، التي تتحرك مثل البشر وتحمل ذكاءً اصطناعياً مدمجاً. لعل كثيرًا من الوظائف ستختفي، لكن لن يصبح الجميع عاطلين عن العمل في الوقت نفسه. كما أن تكلفة تبنّي الذكاء الاصطناعي تجعل من الصعب التنبؤ بسرعة انتشار هذا التحول، لكن التأثير حتماً سيكون مؤلماً.
هناك مخاوف أخرى أكثر عمقًا، فلدينا احتمال أن "ينفلت" الذكاء الاصطناعي ويخرج عن السيطرة، أو أن يصبح ذكياً للغاية، لدرجة أن يرتكب أخطاء "ذكية وغبية" في آن واحد. على سبيل المثال، قد يستنتج الذكاء الاصطناعي أن البشر يضرّون الأرض (بسبب التغير المناخي الذي تسببوا فيه)، ومن ثمّ يقرر بأن الحل الأمثل هو التخلّص منهم!
ورغم أننا نعتقد أن هذا السيناريو بعيد الاحتمال، إلا أننا لا نعرف في الحقيقة لأي درجةٍ هو كذلك، خصوصاً عندما نرى منه سلوكياتٍ غير متوقعة؛ مثل: نماذج تم تدريبها على اللغة الإنجليزية ثم يتبيّن لاحقًا أنها تتقن الفارسية أيضاً. حتى مؤسسو الذكاء الاصطناعي يعانون من تناقضٍ داخلي؛ فهم يدعمون اختراعاتهم علناً، لكنهم يتحدثون في جلساتهم الخاصة عن مخاوف وجودية، حتى وصل الأمر بأحدهم للسخرية قائلاً: "قد ندمّر العالم… لكن على الأقل الروبوت الذي سيدمّره سيتحدث الإنجليزية وليس الصينية".
هذه اللامبالاة بسلامة البشر، التي كشف عنها أحد مؤسسي غوغل في لقاء خاص، كانت سبباً في دفع إيلون ماسك للاستثمار في OpenAI التي دفعته هي نفسها لاحقاً للانسحاب وإنشاء Grok لتدفع بدورها عدداً من مهندسي السلامة لمغادرة OpenAI وتأسيس شركاتٍ؛ مثل: Anthropic التي تضع سلامة الإنسان فوق كل شيء.
أكبر مهنة في العالم—قيادة سيارات الأجرة—أيضاً ستتأثر بشدة. ورغم أن البعض قد يقول "هذا رائع، ستكون الطرق أكثر أماناً"، إلا أن ذلك قد يعني اضطراباً هائلاً في سوق العمل، وزيادةً في مستويات الجوع والفقر، وربما تركز الثروة في يد ثمانية أشخاص فقط على مستوى العالم.
من المخاوف الأخرى أيضًا التدهور المعرفي والاضطرابات النفسية. فمنذ ظهور وسائل التواصل، ارتفعت معدلات الانتحار بسبب العبث بدوبامين الدماغ. واليوم، بدأنا نرى حالات ذهان مرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي. وتشير تقارير حديثة إلى أن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي يسرّع التدهور العقلي. ما الذي قد يحدث عندما يتعطّل الذكاء الاصطناعي بينما يكون البشر قد نسوا كيفية القيام بالمهام يدوياً؟ حتى الطيارون الذين يعتمدون على الطيار الآلي، ما زالوا قادرين على قيادة الطائرة بأنفسهم، بل هو مطلبٌ إجباريٌ لضمان سلامة الركاب في حال فشلت الآلة في عملها.
وهنا ربما تتساءل: “هل هناك مخرج؟”
ربما ... إذا بدأنا الآن. ربما في هذا الجانب علينا التعاون مع شركاتٍ مثل Anthropic لجعل الذكاء الاصطناعي أكثر أماناً. أيضاً علينا أن نرفع مستويات الوعي بكل أبعاده.
هذا جزءٌ فقط من الأخطار التي قد نشهدها -لا قدر الله- مع توسع اعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي، وقد ذكرنا بعض النماذج لتوضيح حجم التحدّي فحسب، وهذا يؤكد حاجتنا الماسة للمزيد من مهندسي سلامة الذكاء الاصطناعي حول العالم—فذلك ضروري ليس فقط لضمان أمننا… بل أيضًا لبقائنا.
-------------------------------------------------------------------------------------------
· نحاول بناء نشرة إخبارية مميزة، ونتطلع لدعمكم ليكبر جمهورنا الكريم! وندعوكم لنشر رابط الموقع لأصدقائكم ومعارفكم.
· هل أحببتم ما قرأتم؟ ما هي الموضوعات التي تتطلعون لمعرفة المزيد عنها في مجال الذكاء الاصطناعي، تواصلوا معنا عبر [email protected]
هذه النشرة تصدر عن موقع www.taqreerai.com الذي تشتركون فيه. لإلغاء الاشتراك، فضلاً التواصل معنا.
يحيى الفريح وأحمد صفا
0 comments